تقرير بحث السيد كمال الحيدري لطلال الحسن

129

من الخلق إلى الحق ( رحلات السالك في أسفاره الأربعة )

نفسي لطول المجاهدات اشتعالًا نورياً . . . فاقتضت رحمته أن لا يختفي في البطون والأسرار ، هذه المعاني المنكشفة لي من مفيض عالم الأسرار . . . » « 1 » ، فعزلته كانت لسيره في السفر الثاني الذي اقتضى منه ذلك ، حيث المنطلق والمنتهى فيه واحد وهو الحقّ ، والسائر فيه قد صار وجوده حقّانياً إلهيّاً ، وما دام هو مستغرقاً وفانياً في الوحدة فلا مجال للالتفات للكثرة « 2 » .

--> ( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، مصدر سابق : ج 1 ص 8 . ( 2 ) لعلّ الروايات الشريفة الحاثّة على العزلة كانت تقصد شريحتين من الناس ، الأُولى وهي الكبيرة جداً تتمثّل بعامّة الناس دون الخاصّة ، حيث تدعوهم إلى التوجّه إلى عالم الوحدة وترك التعلّق بالكثرة ، بمعنى أن يكون الهدف الأسمى والمحبوب الذي يسير نحوه ويصبو إليه كلّ واحد منهم هو عالم الوحدة لا الكثرة ، ولا تعني العزلة تعطيل الحياة وإنّما أن لا تكون الدنيا أكبر همّنا ومبلغ علمنا ، وأمّا الثانية وهي تمثّل طبقة خاصّة جدّا من الناس خواصّهم وعوامّهم أعني : الواصلين إلى المراتب العليا في المعارف التوحيدية والواطئين أرقى المنازل السلوكية ، حيث تدعوهم إلى العودة إلى السفر الثاني وعالم الوحدة الخالص للتزوّد والاغتراف منه مرّة بعد أُخرى ، وقد عرفت أنّ الرجوع ممكن كما جاء ذلك في الخصوصية الرابعة . وينبغي أن يُعلم أنّ العزلة المشار إليها في الخصوصية الرابعة إنّما هي عزلة مجازية ومسامحية ، وأمّا العزلة الحقيقية البائسة فتلك التي يعيشها البائسون مثلي المستغرقون في عالم الكثرة ، البعيدون عن عالم الوحدة ، قليلو الحظّ وَمَا يُلَقَّاهَا إلَّا ذُو حَظٍّ عَظيم فُصّلت : 35 كثيرو التسويف . « فقد أفينت بالتسويف والآمال عمري وقد نزلتُ منزلة الآيسين من خيري ، فمن يكون أسوأ حالًا منّي ؟ . . . فما لي لا أبكي ؟ » مفاتيح الجنان ، مصدر سابق : ص 252 ، دعاء أبي حمزة الثمالي . فلنبكِ ، وعلينا لا على غيرنا فلتبكِ البواكي .